الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

70

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

تعالى : اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ في سورة آل عمران [ 45 ] . والإشارة ب ذلِكَ إلى القول المستفاد من قالَتِ الْيَهُودُ - وَقالَتِ النَّصارى . والمقصود من الإشارة تشهير القول وتمييزه ، زيادة في تشنيعه عند المسلمين . و بِأَفْواهِهِمْ حال من القول ، والمراد أنّه قول لا يعدو الوجود في اللسان وليس له ما يحقّقه في الواقع ، وهذا كناية عن كونه كاذبا كقوله تعالى : كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً [ الكهف : 5 ] . وفي هذا أيضا إلزام لهم بهذا القول ، وسدّ باب تنصّلهم منه إذ هو إقرارهم بأفواههم وصريح كلامهم . والمضاهاة : المشابهة ، وإسنادها إلى القائلين : على تقدير مضاف ظاهر من الكلام ، أي يضاهي قولهم . و الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ هم المشركون : من العرب ، ومن اليونان ، وغيرهم ، وكونهم من قبل النصارى ظاهر ، وأمّا كونهم من قبل اليهود : فلأنّ اعتقاد بنوة عزير طارئ في اليهود وليس من عقيدة قدمائهم . وجملة قاتَلَهُمُ اللَّهُ دعاء مستعمل في التعجيب ، وهو مركّب يستعمل في التعجّب من عمل شنيع ، والمفاعلة فيه للمبالغة في الدعاء : أي قتلهم اللّه قتلا شديدا . وجملة التعجيب مستأنفة كشأن التعجب . وجملة أَنَّى يُؤْفَكُونَ مستأنفة . والاستفهام فيها مستعمل في التعجيب من حالهم في الاتّباع الباطل ، حتّى شبه المكان الذي يصرفون إليه باعتقادهم بمكان مجهول من شأنه أن يسأل عنه باسم الاستفهام عن المكان ، ومعنى يُؤْفَكُونَ يصرفون . يقال : أفكه يأفكه إذا صرفه ، قال تعالى : يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ [ الذاريات : 9 ] والإفك بمعنى الكذب قد جاء من هذه المادّة لأنّ الكاذب يصرف السامع عن الصدق ، وقد تقدّم ذلك غير مرة . [ 31 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 31 ] اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 31 ) الجملة تقرير لمضمون جملة وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ [ التوبة : 30 ] ليبنى على التقرير زيادة التشنيع بقوله :